ابن قتيبة الدينوري

70

الإمامة والسياسة ( بيروت )

خطبة علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه قال : وذكروا أن البيعة لما تمت بالمدينة ، خرج علي إلى المسجد الشريف ، فصعد المنبر ، فحمد اللَّه تعالى وأثنى عليه ، ووعد الناس من نفسه خيرا ، وتألفهم جهده ، ثم قال : لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال وولد عن عشيرته ، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم . هم أعظم الناس حيطة من ورائه ، وإليهم سعيه وأعطفهم عليه إن أصابته مصيبة ، أو نزل به بعض مكاره الأمور ، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنه يقبض عنهم يدا واحدة ، وتقبض عنه أيد كثيرة ، ومن بسط يده بالمعروف ابتغاء وجه اللَّه تعالى ، يخلف اللَّه له ما أنفق في دنياه ، ويضاعف له في آخرته ، واعلموا أن لسان صدق يجعله اللَّه للمرء في الناس ، خير له من المال ، فلا يزدادن أحدكم كبرياء ، ولا عظمة في نفسه ، ولا يغفل أحدكم عن القرابة أن يصلها ، بالذي لا يزيده إن أمسكه ، ولا ينقصه إن أهلكه . 77 واعلموا أن الدنيا قد أدبرت ، والآخرة قد أقبلت ، ألا وإن المضمار [ ( 1 ) ] اليوم ، والسبق [ ( 2 ) ] غدا . ألا وإن السبقة [ ( 3 ) ] الجنة . والغاية النار ، ألا طن الأمل يشهي القلب ، ويكذب الوعد ، ويأتي بغفلة ، ويورث حسرة فهو غرور ، وصاحبه في عناء ، فافزعوا إلى قوام دينكم وإتمام صلاتكم وأداء زكاتكم والنصيحة لإمامكم ، وتعلموا كتاب اللَّه ، واصدقوا الحديث عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وأوفوا بالعهد إذا عاهدتم ، وأدوا الأمانات إذا ائتمنتم وارغبوا في ثواب اللَّه ، وارهبوا عذابه ، واعلموا الخير تجزوا خيرا يوم يفوز بالخير من قدم الخير . اختلاف الزبير وطلحة على عليّ كرم اللَّه وجهه قال : وذكروا أن الزبير وطلحة أتيا عليا بعد فراغ البيعة ، فقالا : هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين ؟ قال عليّ : نعم ، على السمع والطاعة ، وعلى

--> [ ( 1 ) ] المضمار : الموضع والزمن الّذي تضمر فيه الخيل ، وتضمير الخيل أن تربط ويكثر علفها وماؤها حتى تسمن ثم يقلل علفها وماؤها وتجري في الميدان حتى تهزل . [ ( 2 ) ] في نهج البلاغة : السباق . [ ( 3 ) ] السبقة بالتحريك الغاية التي يحب السابق أن يصل إليها وبالفتح المرة من السبق ، والسبقة بالضم الجنة .